عبد الملك الخركوشي النيسابوري

45

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

وقيل : المحبة نار تلتهب ، وحرقات تشتعل ، ومزاج يمتزج بنفس المحب لموافقة المحبوب . ويقال : منزلة محبة العبد للّه تعالى ، كمنزلة معرفة العبد باللّه عزّ وجلّ ، فعلى حسب معرفته باللّه تعالى تكون محبته لله تعالى ، وكما لا تقع الكيفية في المعرفة وإن ظهرت أعلامها ، كذلك لا تقع الكيفية على عين المحبة وإن بدا تأثيرها . - وسئل إبراهيم الخوّاص عن المحبة ، فقال : محو الإرادات ، واحتراق جميع الصفات والحاجات . وقال أبو يعقوب السوسي : لا تصحّ المحبّة حتى تخرج من رؤية المحبة إلى رؤية المحبوب فيكون فانيا في المحبوب ، بفناء علم المحبة ، من حيث كان له المحبوب في الغيب ، ولم تكن هذه المحبّة ، فإذا خرج المحبّ إلى هذه الخصلة ، كان محبّا من غير محبّة . - وسئل سهل بن عبد اللّه عن المحبة فقال : عين المحبة عطف اللّه تعالى بقلب عبده بمشاهدته بعد الفهم للمراد منه . وقال محمد بن الفضل : المحبة محبة إيثار ، وهي على أربعة معان ؛ أحدها : دوام الذكر بالقلب والفرح ، والثاني : شدّة الاستئناس به . والثالث : قطع الاشتغال عن كل قاطع يقطعه عنه ، والرابع : إيثاره على نفسه وعلى جميع ما سواه ، كما قال اللّه سبحانه : قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ « 1 » إلى آخر الآية ، فهذا وصف المحبين للّه تعالى الذين تكون محبتهم له على معنى الإيثار ثم تكون معاملتهم بعد ذلك على أربع منازل ؛ على المحبة ، والهيبة ، والحياء والتعظيم ، وأفضلها التعظيم ، والمحبة . لأنّ هاتين المنزلتين يبقيان في الجنة مع أهل الجنة ويرفع عنهم غيرهما . وقال هرم بن حيان : المؤمن إذا عرف ربّه عزّ وجلّ أحبّه ، وإذا أحبّه أقبل إليه ، وإذا وجد حلاوة الإقبال إليه لم ينظر إلى الدّنيا بعين الشهوة ، ولم ينظر إلى الآخرة بعين الفترة ، وهي تحسره في الدنيا وتروحه في الآخرة . وروى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « يقول اللّه تبارك وتعالى : ( لا يزال العبد يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ، ويدا ومؤيدا ) » « * » وسمع بعض الزنوج يقول :

--> ( 1 ) - سورة التوبة : 24 . ( * ) الحديث رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضى اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :